الهدهد
01 Jan 2007, 11:24 AM
--------------------------------------------------------------------------------
قال نائب رئيس الجمهورية العربية السورية السابق، والمعارض الحالي لنظام الرئيس "بشار الأسد" أنه يستطيع إسقاط النظام الذي ساهم في بنائه. وقال إنه يعمل على تأسيس جبهة معارضة للنظام السوري، من أجل بناء نظام جديد ديمقراطي في سورية، التي غادرها في يوليو الماضي.
وأضاف في حديث له مع إذاعة هولندا العالمية، جرى في منزله الباريسي؛ إن فكرة تأسيس الجبهة المعارضة كانت موجودة منذ وقت طويل، قبل انشقاقه بشكل علني عن النظام، وأخذ يبلورها مع مرور الوقت. ولم تكن هذه الفكرة لديه وحده، بل كانت لدى زملاء له في حزب البعث الحاكم. ومازال الكثير منهم، تحت سلطة "الأسد" بالرغم من أنهم أعضاء في الحزب. حسب تأكيد "خدام". الذي أوضح أن الرئيس السابق "حافظ الأسد" كان ينظر للسلطة كملك شخصي له ولعائلته.
وقد شارك "خدام" في اجتماعات المعارضة السورية يوم الاثنين 5 يونيو، في لندن الذي ضم خمسين شخصية معارضة، بينهم المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين "علي صدر الدين البيانوني" الذي كان اجتمع في بروكسل مع "خدام" في وقت سابق، واتفقا على تشكيل جبهة الخلاص الوطني السوري، مع معارضين آخرين،التي دعا البيان التأسيسي لها، القوات المسلحة في سورية إلى كسر حاجز الخوف؛ من أجل إسقاط نظام "الأسد" وإحلال الديمقراطية في البلاد.
هنا الجزء الأول من حديث "عبد الحليم خدام" مع إذاعة هولندا العالمية:
كيف تشعر وأنت خارج سورية؟
ـ أشعر بالحنين للبلد.
وكم مضى على وجودك في الخارج؟
ـ منذ تموز الماضي 2005.
هل تسافر كثيرا إلى لبنان أو السعودية مثلا؟
ـ لا.. سابقا كنت أسافر، أما الآن فلا أسافر.
أين أنت الآن؟ هل تؤسس لحكومة منفى؟
ـ أعمل منذ أن غادرت سورية، على تأسيس جبهة معارضة للنظام، من أجل بناء نظام جديد وديمقراطي في سورية. وقد بدأت الجبهة عمليا بالعمل ضد النظام.
هل بدأت بتأسيس الجبهة بعد بث مقابلتك مع قناة العربية؟
ـ لا، قبلها بشهرين.
وكيف بدأت بالتفكير بتكوين الجبهة المعارضة؟
ـ عمليا، الفكرة كانت موجودة في رأسي منذ كنت في سورية. وأخذت تتبلور مع مرور الوقت..وهي ليست فكرتي فقط. بل نتاج أحاديث كثيرة؛ إذ يوجد الكثير من المعارضين للنظام، ومازالوا في صفوفه ضمن تنظيمات حزب البعث الحاكم. وقد كنا نتبنى أفكارا إصلاحية منذ وجودي في النظام. وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ إذ تغيرت موازين القوى وتأسس عالم جديد في السياسة والاقتصاد. ورأيت أن سورية لابد أن تتغير أيضا، حتى يمكنها العيش.
هل تستطيع أن تصف لنا التيار المعارض للنظام وحجمه وكم عدد الأشخاص فيه وهل تستطيع ذكر أسمائهم؟
ـ ذكر الأسماء الآن سيؤدي بهم إلى السجن.
وهل لازالوا في سورية؟
ـ نعم مازالوا في حزب البعث.
وهل لازالوا في عناصر فعالة في الدولة؟
ـ لا.. هم الآن في الحزب وليس في الدولة. والقياديون منهم يخضعون لرقابة شديدة.
هل هم من الطائفة السنية؟
ـ لا هم من جميع الطوائف.
حين كنت وزيرا للخارجية هل كنت تطمح للتغيير؟ وهل كان طموحك منذ السبعينيات أم بعد ذلك؟
ـ منذ السبعينيات ونحن بالأساس، حين أوصلْنا "حافظ الأسد" لرئاسة الجمهورية، كان اتفاقنا على إقامة نظام ديمقراطي. وفعلا فقد سمحنا آنذاك للأحزاب التي كانت تعمل بشكل سري، أن تكشف عن نفسها. كالحزب الشيوعي والاتحاد الاشتراكي، وهو حزب ناصري، والوحدويين الاشتراكيين والاشتراكيين العرب.
هل كنت تتوقع ظهور أحزاب أكثر من التي ظهرت؟
ـ كنا نتوقع أن تظهر الحرية بشكل أوسع، لكن المشكلة بدأت عندما أخذ "الأسد" يستأثر بالسلطة، وأخذ يعتمد على أجهزة الأمن ويعطل دور الحزب. وعندما يصبح للمخابرات دور أساسي، تتعطل الحريات.
لكنك بقيت ثلاثين عاما مع هذا الوضع ويبدو أن صبرك كان طويلا، إذ كان بمكانك الانتظار لعشر سنوات مثلا.
ـ أنا مسؤوليتي كانت الإشراف على السياسة الخارجية للبلاد، وهذا كان يأخذ وقتي كله. لكن في اجتماعات الحزب والدولة كنت أبدي ملاحظاتي دائما. والاستقالة كانت غير ممكنة لسببين؛ الأول: أن سورية كانت تمر بوقت صعب، والاستقالة تعتبر في ذلك الوقت إضعافا للبلد. وكانت هناك مشاكل في لبنان ومع إسرائيل ومع العراق ومصر. وفي هكذا ظروف كانت الاستقالة ستتسبب بظروف سلبية للرأي العام.
أما السبب الثاني، فإن الاستقالة في نظامنا توصل صاحبها إما إلى السجن أو إلى القتل. فالنظام أصبح يعتمد على الأمن، فغاب القانون. وعندما تنحصر السلطة بيد شخص واحد، خائفا على السلطة، ويفعل أي شيء للحفاظ عليها.
لكنك دافعت عن هذا النظام طوال الفترة الماضية، مع ما كان يمثله لفترة طويلة.
أنا دافعت عن السياسة الخارجية، وكنت أنتقد بشدة ما يجري في الاجتماعات والمحاضرات التي ألقيها، وأصدرت كتابا حول ذلك، اسمه "النظام العربي المعاصر".
الدخول إلى لبنان
هل أنت من اتخذ قرار الدخول إلى لبنان؟
ـ أنا لم أتخذه بل شاركت فيه.. وقصة دخولنا إلى لبنان كانت بطلب منه، تحديدا من القيادات المسيحية فيه. إذ كانت مدينة "زحلة"، وهي أكبر مدينة مسيحية في لبنان محاصرة، من قبل الفلسطينيين وهناك قرى مسيحية أخرى، في البقاع كانت محاصرة أيضا، ومقطوعة عن العالم ولم يصلها أي شيء، من طعام أو دواء. فطلب منا الرئيس اللبناني وقتها "سليمان فرنجية" الدخول إلى لبنان؛ لمساعدة المسيحيين وجاء إلى سورية الزعماء المسيحيون في لبنان، واجتمعوا مع الرئيس "حافظ الأسد" وكنت موجودا، وناشدوه التدخل لإنقاذ المسيحيين واتخذنا قرارا بدخول لبنان، وفعلا رفعنا الحصار عن جميع المدن والقرى المسيحية.
وهل كان دخولكم من ضمن أهداف حزب البعث المنطلق من مباديء قومية؟
ـ لا.. لبنان كان بلدا شقيقا، والأمر كان يحتاج لتدخلنا؛ لإنقاذ لبنان من الخطر. ولو فرضنا أن سورية لم تتدخل لوقعت مذابح للمسيحيين. و لتدخلت قوى كبرى أو ستتدخل إسرائيل، وكلاهما مؤذ للبنان ولسورية وللمنطقة.
وبالتالي أنت لا تزال على رأيك في تبرير دخول لبنان؟
ـ في السياسة لا يوجد شيء مثالي.. وفي كثير من الأحيان يكون القرار الصحيح هو الأقل ضررا.
لكن هذا ليس جوابا لسؤالي.؟
ـ جوابي أن قرار دخول لبنان كان صحيحا.
وبرأيك هل كانت الفترة التي مكث فيها الجيش السوري في لبنان مناسبة، أم كان يجب أن ينسحب في العام التالي؟
ـ كان يجب أن ينسحب الجيش السوري عام 1994، حسب اتفاق الطائف، الذي كان ينص على انسحاب القوات السورية، بعد سنتين إلى سهل البقاع. لكن السبب في عدم الانسحاب، أن إسرائيل كانت تحتل جنوب لبنان، وتبعد عن دمشق حوالي 35 كيلو مترا. وبالتالي لأسباب استراتيجية، كان لا يمكن الانسحاب. لكن بعد انسحاب إسرائيل كان يجب أن تنسحب القوات السورية عام 2000.
وهل دافعت عن هذه النظرية أمام "الأسد"؟
ـ نعم.. أبديت رأيي وقتها بصراحة أمام الرئيس "حافظ الأسد". لكن كنت تركت الملف اللبناني عام 1998 إذ كنت ضد ترشيح "إيميل لحود" إلى رئاسة لبنان. وسلم "الأسد" الملف إلى ابنه "بشار". إذ أخبرته أن "لحود" عسكري واللبنانيون لا يحتملون رئيسا عسكريا.
ولماذا لم يعترض "الأسد"؟
ـ أولا كانت هناك مفاوضات مع إسرائيل، وهو كان يريد رئيسا قويا، لا ينفرد بالمفاوضات مع إسرائيل. وهذا كان السبب الرئيسي وليكون بجانبه ضد إسرائيل.
حوار وحريات وإصلاح
أنت قلت أن هنالك أحزابا عديدة في سورية، لكنك في ربيع دمشق رفضت التعددية الحزبية في سوريا؟
ـ ما حصل أني كنت القي محاضرة في الجامعة، وتحدثت عن الحرية ومنح الناس الحريات في تلك الفترة. وكان هناك مجموعة من المثقفين، أصدروا بيانا، طالبوا فيه "بشار الأسد" بالانقلاب على تراث أبيه. واتهموا "حافظ الأسد" بالديكتاتور والقاتل واللاإنساني؛ فقلت وقتها: إنكم تطلبون من "بشار الأسد" أن ينقلب على أبيه. وهو جاء من قلب أبيه. أنتم تطلبون منه أن يقف ضد أبيه. وهذا غير ممكن، فإذا شطب "حافظ الأسد" سينشطب "بشار" أيضا. لذلك عليكم بالحوار لخلق مناخ يساعد على الديمقراطية، وأعطيت مثالا ما حصل في الجزائر؛ حيث تم منح الحريات، وفي الانتخابات جاءت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فانقلبت الأمور.
أردت أن أقول لهم إن "بشار" إذا أراد أن يعمل "بريستورويكا" فإن المجموعة الأمنية التي تحيط به ستنقلب عليه. لذلك أنا بمعرفتي بالخلفية المعروفة للنظام، أردت خلق مناخ مناسب يسبق التغيير. وفي تلك الفترة طرح "بشار الأسد" موضوع الحوار، وانأ أردت تشجيع الحوار. وكانت في النظام مجموعة هي جزء من "حافظ الأسد" وهي أدواته ولم يستطع "بشار الأسد" وقتها السيطرة عليها. وبالحوار كان يمكن شل تلك المجموعة الأمنية.
وماذا كان هدف الحوار؟
ـ الهدف كان لأجل توسيع وتقوية التيار الديمقراطي في النظام.
لكنه فشل في ذلك.
ـ طبعا فشل لأنه اتضح أن "بشار الأسد" لم يرد الحوار والإصلاح وتحالف مع القوى الموجودة في النظام، التي تعارض الإصلاحات وتقف ضده. وخاب ظني منذ ذلك الحين، وقررت الاستقالة أواخر عام 2002. وبعد تسلم "بشار الأسد" للسلطة، قدمت مذكرة لتحقيق الإصلاح السياسي، ووعد بمناقشتها في قيادة الحزب.
وقال: نجري إصلاحات اقتصادية قبل السياسية، فقدمت له مشروعا بالإصلاح الاقتصادي، وتم إقراره لكن لم ينفذ. وبعد سنة ونصف، جلسنا نبحث عن سبب فشل الإصلاح الاقتصادي، فقال "بشار": لابد من إصلاح إداري قبل الاقتصادي. فقدمت له مشروعا بالإصلاح الإداري. وفي باريس، طلبت من الرئيس "شيراك" توفير فريق للمساعدة في الإصلاح الإداري. لكن "الأسد" لم يأخذ بشيء منه. واتخذت عندئذ القرار بالاستقالة؛ حيث أوضحت الأسباب في مؤتمر الحزب ليعرف الناس الحقيقة.
أخطاء
ما هي أكبر الأخطاء التي اقترفتها سورية؟
ـ لا أريد القول إن هناك أخطاء كبيرة جدا. الخطأ الأساسي هو عدم التركيز على العلاقات العربية وعدم التوازن بين الشرق والغرب. ثم إننا لم ندرك النتائج الكبرى؛ لانهيار الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت. لكن جاءت ظروف ساعدتنا، لتجاوز تلك العقبات؛ فاحتلال "صدام حسين" للكويت ساعدنا حين اتخذنا قرارا ضد الاحتلال، في تطوير علاقاتنا مع الآخرين.
وما هي أكبر لحظة مشجعة كانت خلال الـ 30 عاما الماضية؟
ـ النصف الثاني من عام 1970 و عام 1971 حيث أصلحنا علاقاتنا مع الدول العربية، بعد أن كانت منقطعة مع معظم تلك الدول، فقد أقمنا علاقة مع مصر، وهدأنا علاقتنا مع العراق. وبعد ذلك بدأت المصاعب الداخلية من انتشار الفساد بين أقرباء الرئيس. وتمركز السلطة بشكل أكبر بيد الرئيس. وبدأ الخلل من هنا.
هل من حدث معين تعتبره سيئا؟
ـ في الشرق الأوسط من الصعب القول إن هناك أوقاتا سعيدة.
فرصة
لماذا لم تستقل بعد وفاة حافظ الأسد؟
ـ "حافظ الأسد" كانت السلطة لديه بمثابة ملك له. ولذلك كان من الصعوبة بمكان، اتخاذ قرار إزاءها. وهذا القرار اتخذه منذ عام 1980 وتناقشنا مطولا حول ذلك.. وهو كان يهيئ شقيقه "رفعت الأسد" لوراثته. لكن عندما مرض "حافظ الأسد" تمرد شقيقه عليه فأخرجه الرئيس من السلطة، وأحال الوراثة لابنه الأكبر "باسل". وأعطاه سلطات كثيرة. وهو كان برتبة نقيب في الجيش، لكنه كان أهم من وزير الدفاع، ثم بعد موت "باسل" بحادث سيارة أحال الوراثة لابنه "بشار" في نفس يوم موت ابنه.
ولماذا لم تتقدم أنت لتقول أنك أولى من ابنه؟
ـ ذلك غير ممكن.. لأنه يعتبر نفسه صاحب سلطة. ولم أكن أنا ساعيا لأكون رأسا في هذا النظام. لأني أعرف تركيبة النظام. ففي عام 1971 أرادت القيادة تعيين رئيس وزراء، حين أصبح "حافظ الأسد" رئيسا للجمهورية، فرفضت ذلك؛ لأني كنت أدرك أن النظام سيبنى على أسس أمنية. وفي عام 2000 كان غير ممكن؛ ذلك لأن "حافظ الأسد" رتب الأمور في الأمن والجيش؛ ليمسك ابنه بالأمور بعد وفاته مباشرة.
http://arabic.rnw.nl/data/2006/reports/66200637.htm
__________________
قال نائب رئيس الجمهورية العربية السورية السابق، والمعارض الحالي لنظام الرئيس "بشار الأسد" أنه يستطيع إسقاط النظام الذي ساهم في بنائه. وقال إنه يعمل على تأسيس جبهة معارضة للنظام السوري، من أجل بناء نظام جديد ديمقراطي في سورية، التي غادرها في يوليو الماضي.
وأضاف في حديث له مع إذاعة هولندا العالمية، جرى في منزله الباريسي؛ إن فكرة تأسيس الجبهة المعارضة كانت موجودة منذ وقت طويل، قبل انشقاقه بشكل علني عن النظام، وأخذ يبلورها مع مرور الوقت. ولم تكن هذه الفكرة لديه وحده، بل كانت لدى زملاء له في حزب البعث الحاكم. ومازال الكثير منهم، تحت سلطة "الأسد" بالرغم من أنهم أعضاء في الحزب. حسب تأكيد "خدام". الذي أوضح أن الرئيس السابق "حافظ الأسد" كان ينظر للسلطة كملك شخصي له ولعائلته.
وقد شارك "خدام" في اجتماعات المعارضة السورية يوم الاثنين 5 يونيو، في لندن الذي ضم خمسين شخصية معارضة، بينهم المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين "علي صدر الدين البيانوني" الذي كان اجتمع في بروكسل مع "خدام" في وقت سابق، واتفقا على تشكيل جبهة الخلاص الوطني السوري، مع معارضين آخرين،التي دعا البيان التأسيسي لها، القوات المسلحة في سورية إلى كسر حاجز الخوف؛ من أجل إسقاط نظام "الأسد" وإحلال الديمقراطية في البلاد.
هنا الجزء الأول من حديث "عبد الحليم خدام" مع إذاعة هولندا العالمية:
كيف تشعر وأنت خارج سورية؟
ـ أشعر بالحنين للبلد.
وكم مضى على وجودك في الخارج؟
ـ منذ تموز الماضي 2005.
هل تسافر كثيرا إلى لبنان أو السعودية مثلا؟
ـ لا.. سابقا كنت أسافر، أما الآن فلا أسافر.
أين أنت الآن؟ هل تؤسس لحكومة منفى؟
ـ أعمل منذ أن غادرت سورية، على تأسيس جبهة معارضة للنظام، من أجل بناء نظام جديد وديمقراطي في سورية. وقد بدأت الجبهة عمليا بالعمل ضد النظام.
هل بدأت بتأسيس الجبهة بعد بث مقابلتك مع قناة العربية؟
ـ لا، قبلها بشهرين.
وكيف بدأت بالتفكير بتكوين الجبهة المعارضة؟
ـ عمليا، الفكرة كانت موجودة في رأسي منذ كنت في سورية. وأخذت تتبلور مع مرور الوقت..وهي ليست فكرتي فقط. بل نتاج أحاديث كثيرة؛ إذ يوجد الكثير من المعارضين للنظام، ومازالوا في صفوفه ضمن تنظيمات حزب البعث الحاكم. وقد كنا نتبنى أفكارا إصلاحية منذ وجودي في النظام. وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ إذ تغيرت موازين القوى وتأسس عالم جديد في السياسة والاقتصاد. ورأيت أن سورية لابد أن تتغير أيضا، حتى يمكنها العيش.
هل تستطيع أن تصف لنا التيار المعارض للنظام وحجمه وكم عدد الأشخاص فيه وهل تستطيع ذكر أسمائهم؟
ـ ذكر الأسماء الآن سيؤدي بهم إلى السجن.
وهل لازالوا في سورية؟
ـ نعم مازالوا في حزب البعث.
وهل لازالوا في عناصر فعالة في الدولة؟
ـ لا.. هم الآن في الحزب وليس في الدولة. والقياديون منهم يخضعون لرقابة شديدة.
هل هم من الطائفة السنية؟
ـ لا هم من جميع الطوائف.
حين كنت وزيرا للخارجية هل كنت تطمح للتغيير؟ وهل كان طموحك منذ السبعينيات أم بعد ذلك؟
ـ منذ السبعينيات ونحن بالأساس، حين أوصلْنا "حافظ الأسد" لرئاسة الجمهورية، كان اتفاقنا على إقامة نظام ديمقراطي. وفعلا فقد سمحنا آنذاك للأحزاب التي كانت تعمل بشكل سري، أن تكشف عن نفسها. كالحزب الشيوعي والاتحاد الاشتراكي، وهو حزب ناصري، والوحدويين الاشتراكيين والاشتراكيين العرب.
هل كنت تتوقع ظهور أحزاب أكثر من التي ظهرت؟
ـ كنا نتوقع أن تظهر الحرية بشكل أوسع، لكن المشكلة بدأت عندما أخذ "الأسد" يستأثر بالسلطة، وأخذ يعتمد على أجهزة الأمن ويعطل دور الحزب. وعندما يصبح للمخابرات دور أساسي، تتعطل الحريات.
لكنك بقيت ثلاثين عاما مع هذا الوضع ويبدو أن صبرك كان طويلا، إذ كان بمكانك الانتظار لعشر سنوات مثلا.
ـ أنا مسؤوليتي كانت الإشراف على السياسة الخارجية للبلاد، وهذا كان يأخذ وقتي كله. لكن في اجتماعات الحزب والدولة كنت أبدي ملاحظاتي دائما. والاستقالة كانت غير ممكنة لسببين؛ الأول: أن سورية كانت تمر بوقت صعب، والاستقالة تعتبر في ذلك الوقت إضعافا للبلد. وكانت هناك مشاكل في لبنان ومع إسرائيل ومع العراق ومصر. وفي هكذا ظروف كانت الاستقالة ستتسبب بظروف سلبية للرأي العام.
أما السبب الثاني، فإن الاستقالة في نظامنا توصل صاحبها إما إلى السجن أو إلى القتل. فالنظام أصبح يعتمد على الأمن، فغاب القانون. وعندما تنحصر السلطة بيد شخص واحد، خائفا على السلطة، ويفعل أي شيء للحفاظ عليها.
لكنك دافعت عن هذا النظام طوال الفترة الماضية، مع ما كان يمثله لفترة طويلة.
أنا دافعت عن السياسة الخارجية، وكنت أنتقد بشدة ما يجري في الاجتماعات والمحاضرات التي ألقيها، وأصدرت كتابا حول ذلك، اسمه "النظام العربي المعاصر".
الدخول إلى لبنان
هل أنت من اتخذ قرار الدخول إلى لبنان؟
ـ أنا لم أتخذه بل شاركت فيه.. وقصة دخولنا إلى لبنان كانت بطلب منه، تحديدا من القيادات المسيحية فيه. إذ كانت مدينة "زحلة"، وهي أكبر مدينة مسيحية في لبنان محاصرة، من قبل الفلسطينيين وهناك قرى مسيحية أخرى، في البقاع كانت محاصرة أيضا، ومقطوعة عن العالم ولم يصلها أي شيء، من طعام أو دواء. فطلب منا الرئيس اللبناني وقتها "سليمان فرنجية" الدخول إلى لبنان؛ لمساعدة المسيحيين وجاء إلى سورية الزعماء المسيحيون في لبنان، واجتمعوا مع الرئيس "حافظ الأسد" وكنت موجودا، وناشدوه التدخل لإنقاذ المسيحيين واتخذنا قرارا بدخول لبنان، وفعلا رفعنا الحصار عن جميع المدن والقرى المسيحية.
وهل كان دخولكم من ضمن أهداف حزب البعث المنطلق من مباديء قومية؟
ـ لا.. لبنان كان بلدا شقيقا، والأمر كان يحتاج لتدخلنا؛ لإنقاذ لبنان من الخطر. ولو فرضنا أن سورية لم تتدخل لوقعت مذابح للمسيحيين. و لتدخلت قوى كبرى أو ستتدخل إسرائيل، وكلاهما مؤذ للبنان ولسورية وللمنطقة.
وبالتالي أنت لا تزال على رأيك في تبرير دخول لبنان؟
ـ في السياسة لا يوجد شيء مثالي.. وفي كثير من الأحيان يكون القرار الصحيح هو الأقل ضررا.
لكن هذا ليس جوابا لسؤالي.؟
ـ جوابي أن قرار دخول لبنان كان صحيحا.
وبرأيك هل كانت الفترة التي مكث فيها الجيش السوري في لبنان مناسبة، أم كان يجب أن ينسحب في العام التالي؟
ـ كان يجب أن ينسحب الجيش السوري عام 1994، حسب اتفاق الطائف، الذي كان ينص على انسحاب القوات السورية، بعد سنتين إلى سهل البقاع. لكن السبب في عدم الانسحاب، أن إسرائيل كانت تحتل جنوب لبنان، وتبعد عن دمشق حوالي 35 كيلو مترا. وبالتالي لأسباب استراتيجية، كان لا يمكن الانسحاب. لكن بعد انسحاب إسرائيل كان يجب أن تنسحب القوات السورية عام 2000.
وهل دافعت عن هذه النظرية أمام "الأسد"؟
ـ نعم.. أبديت رأيي وقتها بصراحة أمام الرئيس "حافظ الأسد". لكن كنت تركت الملف اللبناني عام 1998 إذ كنت ضد ترشيح "إيميل لحود" إلى رئاسة لبنان. وسلم "الأسد" الملف إلى ابنه "بشار". إذ أخبرته أن "لحود" عسكري واللبنانيون لا يحتملون رئيسا عسكريا.
ولماذا لم يعترض "الأسد"؟
ـ أولا كانت هناك مفاوضات مع إسرائيل، وهو كان يريد رئيسا قويا، لا ينفرد بالمفاوضات مع إسرائيل. وهذا كان السبب الرئيسي وليكون بجانبه ضد إسرائيل.
حوار وحريات وإصلاح
أنت قلت أن هنالك أحزابا عديدة في سورية، لكنك في ربيع دمشق رفضت التعددية الحزبية في سوريا؟
ـ ما حصل أني كنت القي محاضرة في الجامعة، وتحدثت عن الحرية ومنح الناس الحريات في تلك الفترة. وكان هناك مجموعة من المثقفين، أصدروا بيانا، طالبوا فيه "بشار الأسد" بالانقلاب على تراث أبيه. واتهموا "حافظ الأسد" بالديكتاتور والقاتل واللاإنساني؛ فقلت وقتها: إنكم تطلبون من "بشار الأسد" أن ينقلب على أبيه. وهو جاء من قلب أبيه. أنتم تطلبون منه أن يقف ضد أبيه. وهذا غير ممكن، فإذا شطب "حافظ الأسد" سينشطب "بشار" أيضا. لذلك عليكم بالحوار لخلق مناخ يساعد على الديمقراطية، وأعطيت مثالا ما حصل في الجزائر؛ حيث تم منح الحريات، وفي الانتخابات جاءت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فانقلبت الأمور.
أردت أن أقول لهم إن "بشار" إذا أراد أن يعمل "بريستورويكا" فإن المجموعة الأمنية التي تحيط به ستنقلب عليه. لذلك أنا بمعرفتي بالخلفية المعروفة للنظام، أردت خلق مناخ مناسب يسبق التغيير. وفي تلك الفترة طرح "بشار الأسد" موضوع الحوار، وانأ أردت تشجيع الحوار. وكانت في النظام مجموعة هي جزء من "حافظ الأسد" وهي أدواته ولم يستطع "بشار الأسد" وقتها السيطرة عليها. وبالحوار كان يمكن شل تلك المجموعة الأمنية.
وماذا كان هدف الحوار؟
ـ الهدف كان لأجل توسيع وتقوية التيار الديمقراطي في النظام.
لكنه فشل في ذلك.
ـ طبعا فشل لأنه اتضح أن "بشار الأسد" لم يرد الحوار والإصلاح وتحالف مع القوى الموجودة في النظام، التي تعارض الإصلاحات وتقف ضده. وخاب ظني منذ ذلك الحين، وقررت الاستقالة أواخر عام 2002. وبعد تسلم "بشار الأسد" للسلطة، قدمت مذكرة لتحقيق الإصلاح السياسي، ووعد بمناقشتها في قيادة الحزب.
وقال: نجري إصلاحات اقتصادية قبل السياسية، فقدمت له مشروعا بالإصلاح الاقتصادي، وتم إقراره لكن لم ينفذ. وبعد سنة ونصف، جلسنا نبحث عن سبب فشل الإصلاح الاقتصادي، فقال "بشار": لابد من إصلاح إداري قبل الاقتصادي. فقدمت له مشروعا بالإصلاح الإداري. وفي باريس، طلبت من الرئيس "شيراك" توفير فريق للمساعدة في الإصلاح الإداري. لكن "الأسد" لم يأخذ بشيء منه. واتخذت عندئذ القرار بالاستقالة؛ حيث أوضحت الأسباب في مؤتمر الحزب ليعرف الناس الحقيقة.
أخطاء
ما هي أكبر الأخطاء التي اقترفتها سورية؟
ـ لا أريد القول إن هناك أخطاء كبيرة جدا. الخطأ الأساسي هو عدم التركيز على العلاقات العربية وعدم التوازن بين الشرق والغرب. ثم إننا لم ندرك النتائج الكبرى؛ لانهيار الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت. لكن جاءت ظروف ساعدتنا، لتجاوز تلك العقبات؛ فاحتلال "صدام حسين" للكويت ساعدنا حين اتخذنا قرارا ضد الاحتلال، في تطوير علاقاتنا مع الآخرين.
وما هي أكبر لحظة مشجعة كانت خلال الـ 30 عاما الماضية؟
ـ النصف الثاني من عام 1970 و عام 1971 حيث أصلحنا علاقاتنا مع الدول العربية، بعد أن كانت منقطعة مع معظم تلك الدول، فقد أقمنا علاقة مع مصر، وهدأنا علاقتنا مع العراق. وبعد ذلك بدأت المصاعب الداخلية من انتشار الفساد بين أقرباء الرئيس. وتمركز السلطة بشكل أكبر بيد الرئيس. وبدأ الخلل من هنا.
هل من حدث معين تعتبره سيئا؟
ـ في الشرق الأوسط من الصعب القول إن هناك أوقاتا سعيدة.
فرصة
لماذا لم تستقل بعد وفاة حافظ الأسد؟
ـ "حافظ الأسد" كانت السلطة لديه بمثابة ملك له. ولذلك كان من الصعوبة بمكان، اتخاذ قرار إزاءها. وهذا القرار اتخذه منذ عام 1980 وتناقشنا مطولا حول ذلك.. وهو كان يهيئ شقيقه "رفعت الأسد" لوراثته. لكن عندما مرض "حافظ الأسد" تمرد شقيقه عليه فأخرجه الرئيس من السلطة، وأحال الوراثة لابنه الأكبر "باسل". وأعطاه سلطات كثيرة. وهو كان برتبة نقيب في الجيش، لكنه كان أهم من وزير الدفاع، ثم بعد موت "باسل" بحادث سيارة أحال الوراثة لابنه "بشار" في نفس يوم موت ابنه.
ولماذا لم تتقدم أنت لتقول أنك أولى من ابنه؟
ـ ذلك غير ممكن.. لأنه يعتبر نفسه صاحب سلطة. ولم أكن أنا ساعيا لأكون رأسا في هذا النظام. لأني أعرف تركيبة النظام. ففي عام 1971 أرادت القيادة تعيين رئيس وزراء، حين أصبح "حافظ الأسد" رئيسا للجمهورية، فرفضت ذلك؛ لأني كنت أدرك أن النظام سيبنى على أسس أمنية. وفي عام 2000 كان غير ممكن؛ ذلك لأن "حافظ الأسد" رتب الأمور في الأمن والجيش؛ ليمسك ابنه بالأمور بعد وفاته مباشرة.
http://arabic.rnw.nl/data/2006/reports/66200637.htm
__________________